هل ستعيش كما تحب .. أو كما يحب الآخرين ؟

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله محمد بن عبد الله وآله وصحبه ومن والاه

يعيش الكثير من الناس على أهواء بعض الناس وأي أناس أولئك ؟!! فإرضاء الناس غاية _ عند البعض _ لا ؛ ولن تدرك ..

ينقسم الناس في هذه المسألة إلى قسمين : أحدهما يتلقى توجيهات الناس المتضاربه والآخر هو من يوجه الناس حسب رأيه ، ومن يخالفه فهو أحد أعدائه ..

بلا شك انهما جميعا يعانون .. فقد شُغلوا ببعض ..

الا يستحق أن يعيش الفرد بعيدا عن سيطرة المنتقدين .. منتقدين ومن غير معايير محددة لهذا النقد أو بالأصح ” الإنتقاد ” ..


في الحقيقة أن كل فرد هو من يحكم على نفسه إما بالخير أو الشر .. كما ان الله سبحانه لم يجعل للتابعين عذرا لاتباعهم المتبوعين {قَالَ ادْخُلُواْ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَـؤُلاء أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَـكِن لاَّ تَعْلَمُونَ }الأعراف38 فلن يُضل الفرد أكثر من نفسه لأنه سمح بذلك وقد بين الله لنا كل شيء .. وماهو أقل من ذلك ينهج نهجه .. فليس طيب النية البريء الجاهل الذي يستمع لمطلق الآخرين بمأمن من النتائج التي ستقع على كل من خالف الطريق فكل طريق لها نهاية ونتيجة سواء كانت طريق جيدة او غير جيدة وسواء كان السائر على الطريق قاصدا ذلك ام مخطئه .

فحينما يُشغل الناس بالناس يفقدون قواهم الداخلية التي تُمكنهم من التقدم ومن بناء المجد الذي يطمحون اليه والاهداف التي يتمنون غاية التمني أن يحققوها ومع ذلك نجدهم مستمرين وماضين في طريقهم .. ولو أنهم لم يجدون من الفئة المتلقية قبولا أو إجابات توقفهم لما رأينا هذه الفئة تنتشر بشكل متزايد .. وإن واجه أحد هذه الفئة التي أبتليت بانتقاد الناس وتوجيههم على غير أساس لبدأوا يتربصون بهم .. ” شفت .. ماقلت لك .. والله ما يصلح .. الخ” وإن حصل ما يسوء .. ستكون الاجابة صامته إن لم تكن أيضا انتقاد بأنك لم تكن بدقه معينه أو أنك أخطأت خطأ غير معروف ..
صحيح ان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مبدأ من مبادئ الدين وبعض العلماء يقول انه الركن السادس للإسلام .. ولكنه أمر بالمعروف ليس بالهوى ونهي عن المنكر ليس عن ما يخالف الهوى ..

الشاهد من هذا الموضوع هو : كيف يتحرر من وقع في حبائل هذه الفئتين ..
فبالنسبة للفئة التي اسميها ” الملقوفة أو الملا قيف ” ليس عليهم سوى الاقتناع بأن لكل نفس هوى محمود لديها وقد يكون مذموم لدى غيرها وهو غير خاطئ .. أنا أعرف شخصا عاقلا كبيرا في السن مولع بلحم الضب فاشترى 10 من أحد الصيادين بخروف وقال له سأعطيك في كل 10 خروف فلو أعطيتني 100 ضب أعطيتك 10 خراف .. قد تكون هذه مضحكة عند البعض ولكنها عند هذا الرجل أمر محمود وغيره كثير يؤيدونه .. هل نعيب على صاحب الخروف ام صاحب الضب ؟!!.. أم أنهم جميعا لايستحقون أن نعيبهم ..!! إن الأخير هو الأحق فهذا يحب لحم الضب وسيشتريه ولا يلزمني أن أحب لحم الضب حتى يكون من اشتراه محق .. والآخر وجدها فرصة مناسبة .. وآخر أعرفه قُبل في كلية عسكرية فقطع قرابة سنة أو أكثر ثم تركها وذهب إلى تخصص مستقبله ضعيف جدا .. فحين سئل قال بكل بساطة لم اجد نفسي هناك بل وجدت نفسي هنا .. فهل يجب أن يأخذ إذن من كل معارفه ليتوجه الى الطريق التي يريد ..!!!
الناجحين في حياتهم ومن يخرج على يديهم ناجحين هم من تحرروا من هاتين النقطتين .. بل إن 95% من العالم يخدمون 5% وهؤلاء الـ5 هم الذين يستمعون لأنفسهم ويستشيرون من يختارون هم .. والـ95 هم الناقد والمنقود .. حتى إن الذي يسمع لنفسه يُعد أحيانا موسوس مع أن كلمة  ” يجلس مع نفسه ، ابجلس مع نفسي “ واردة ودارجة .. ولكن لا يُستشعر تطبيقها ..
فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس لوحده شهرا كاملا في غار حراء وحيدا بعيد عن الناس لمدة ثلاث سنوات قبل البعثة ، ويقول المباركفوري في كتابه الشهير الرحيق المختوم ” فمن يرد الله به خيرا يوفقه للعزلة ” إذ أنها تجعل الشخص يستمع لنفسه ليحدد ماسيكون وكيف يكون .. فكل امرئ مدين لنفسه بنفسه وهو رهينة قراراته ..

سألت أحدهم يوما ما بعد تذمر وتضجر أظهره لي من عمله الذي أراه ممتعا للغاية ، سألته : هل أنت راض عن نفسك الآن ؟ هل تعيش بالشكل الذي تحب ؟ هل حققت أهدافك أو جزء منها أو اقتربت من بعض أهدافك من خلال عملك هذا ؟ كانت الاجابات : لا ، لا ، لا .. قلت إذن ماهي أهدافك أو هدفك أو ماهي الحياة التي تحب أن تعيشها ؟ .. أطرق قليلا ثم قال ” والله إلى الآن مافكرت ” !!! سبحان الله .. كيف تريد تحقيق هدفٍ لا تعرفه ؟!!! كيف تصل إلى حياة أنت لا تعرف ماهي وتريد أن تعيش حياة لاتدري كيف هي ؟!!!

لن يصل إلى مايريد إلا من يسمع لنفسه بتحرر من إملاء الناس والمجتمع ..

إن الله سبحانه وتعالى قد سخر لنا أصواتا داخلية تصدر من ذواتنا تهدينا بهداية الله إلى الفطرة التي خلقنا الله عليها .. وإلى الأمجاد التي وجهنا الله اليها .. ولكنا أحيانا نتدخل في هذه الفطر بالشكل الغير صحيح ثم نؤثر على الآخرين بنقدنا وانتقادنا .. ربما يكون الناقدين نجحوا في أمر ولكن نجاحهم في هذا الطريق لا يعني نجاح غيرهم في نفس طريق نجاحهم .. ولا تعني الطرق والمسالك التي لم يسلكها الأول محرمة وممنوعة على الثاني .. بل إن النجاحات من وجهة نظري تكمن في الطرق المختلفة ولكن وفق خطط سليمة تنوي السير إلى أهداف سليمة .. فلو تنازل المنتقد الكريم عن تعظيم نفسه وتعظيم خطواته التي لا صحيح سواها ، واقر في نفسه أنه قد يستفيد مما لدى الاخرين طالما ان هذا الامر لايمس أسس الدين والأعراف السليمة وأن لكل شخص توجه واهداف وخطط قد لاتكون خطرت بباله سعادة المنتقد .. ثم أقر أخيرا بأن تصرفه هذا يحمّله وزر من سمع مشورته الغير مضبوطة وقد يهلك بها حياة انسان ويحد من تقدم مجتمع .. اذا استشعر هذا سيقف بإذن الله عن الانتقادات التي تعيق الاخرين وتشوش عليهم ولو وجه قدراته النقدية لذاته لتقدم وساعد في التقدم خير من يحد من تقدمه وتقدم غيره ..

أما الفئة الثانية التي هي اذن واعية للفئة الأولى وهي عبارة عن بضاعة الفئة الاولى فاختفاؤها وتلاشيها يعني كساد سوق الفئة الأولى فليس عليهم الا ان يستمعوا لأنفسهم قبل استماعهم للآخرين إذا كانوا يريدون ان يعيشون الحياة التي يريدونها لا التي يريدها الآخرين ..

عليهم أن يعلموا أن كل فرد يعتبر حياة مستقلة له اهدافه وطموحاته وقدراته ورزقه واجله ومزاجه واختياره وذوقه ونظرته وسياسته يعتبر انسان مستقل ان قلد فلان او فلان او استمع لانتقادات فلان فقد يستطيع ان يستمع له وان يسير وفق ما يرى ولكنه لا يستطيع ان ينجح كما نجح فلان او يمتلك قدرات فلان أو يتوافق مع مزاج وسياسة واختيار وطموح واهداف فلان ..

لذلك لن يصدقك أكثر من نفسك ؛ فاستمع لها

اسألها السؤال الصحيح .. وستجد الاجابة الصحيحة بإذن الله

وتوكل على الله ولا تتوكل على غيره واستعن بالله ثم بمن تختار من اهل النظر والخبرة في الهدف الذي حددته مسبقا ليس الذي حدده لك فلان او علان .. فالأهداف أنت وحدك من يحددها والطرق والخطوات قد تستعين عليها بأهل النظر والخبرة بعد الله ..

فقط اجلس مع نفسك وقل السؤال الأول والأهم : ماذا أريد أن أكون ؟ (غدا بعد 10 أو أكثر كيف أحب أن أكون .. ) ماهو دوري في الحياة ؟ هل سأكون مثل عامة الناس أو غوغائيهم أو مثل جميع المخلوقات آكل وأشرب وأقضي حوائجي وأموت ؟ أم أريد أن أكون أمّة وأمام وقدوة .. ؟

أنت من يقرر هذا ومن يختار المجال والتخصص .. أنت فقط وحدك من يقوم بذلك ..

عدد الزيارات :5166

التعليقات

  1. بن حمران

    مشاء الله عليك يا حسن .. تدوينه ولا أروع …

    سأعاود الرد بعد إنهائي من قرأتها

  2. ذو فراسة

    لذلك لن يصدقك أكثر من نفسك ؛ فاستمع لها

    اسألها السؤال الصحيح .. وستجد الاجابة الصحيحة بإذن الله

    وتوكل على الله ولا تتوكل على غيره واستعن بالله ثم بمن تختار من اهل النظر والخبرة في الهدف الذي حددته مسبقا ليس الذي حدده لك فلان او علان

    أجدت التعبير أخي الكريم

    نسأل الله لنا ولك وللمسلمين حسن التصرف والسداد

  3. عروب اليوسف

    سنعيش كما يحب الله أن نعيش.
    وسنعيش…وفقاً لدافع شرعي يأمرنا أن نستقيم فنسعد بحياة سعيده.

    .
    .
    .
    هناك انفس لاينبغي أن نصدقها…..لانها قد تكون أماره بالسوء
    فتهلكنا…وتقضي علينا.

    دمت براحة بال ..استاذي الفاضل.

  4. ايناس

    كلام حضرتك صحيح جدا بدليل قول رسول الله صل الله عليه وسلم (اعقلها وتوكل ) يعنى فكر وحدد ثم ابدا ،،، واحنا متخلقناشى عبثا علشان نعيش حياتنا عبثا فحياتنا احنا المسئولين عنها والمشورة مسموحه بعد تحديد هدفك بنفسك وبتغائك لحياة افضل

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *