كم هو مؤلم فراق الوطن

كنت أنا ومجموعة كبيرة جدا من سكان طويق نمتلك (شبوك غنم) على طرف شعيب نمار وبعد فترة من الومن جاءت البلدية وأمرتنا بالرحيل ليتم تخطيط هذه الأراض وبيعها على التجار الذين سيلتهمون المواطنين بغير رحمة والبلدية معينة لهم في ذلك (أهم شي فلوس تدخل في الجيب) وأصبح المال هو كل شيء لايهم ما سواه .. في الاصل أن المال يخدم الإنسان فأصبح العكس تماما .. واستطراد لهذا الموقف اتذكر اني كنت أدرس الانتاج الإذاعي التلفزيوني ضمن مقررات الإعلام فدخل الدكتور علينا وقال : الكلية طلبت مني رغم ضغط الجدول عندي الا انها اصرّت أن أقدم دورة في الإنتاج لكي يكون هناك عائدا ماديا للكلية وللمعلم أيضا جزء من ذلك العائد .. فسبحان الله ما أرخص النفوس التي تبيع أمانتها بثمن بخس من الدنيا .. أليس هذا مقرر قد دفعت فيه الدولة مبالغ طائلة وأعتمدت مليارات الريالات لميزانية الجامعة ؟ إذن لماذا يُستغل الطالب ضعيف الإمكانات المادية بهذه الطريقة وقد تكفلت الدولة بتعليمه ودفعت في ذلك مبالغ طائلة .. فمثل هذا التقدير الذي يجده المواطن من جامعته ومن مدرسته ومن البلدية التي ساعدت على رهن المواطن بديون مقابل أرض وأكثر المساحات في السعودية خالية ولا يمكن لأحد أن يستوطن في وطنه إلا مقابل (كسرة ظهر) و (دقة خشم) .. استطردت كثيرا ..

المهم

مررت على الديار ديار ليلى *** اقبل ذا الجدار وذا الجدارا

وما حب الديار شغفن قلبي *** ولكن حب من سكن الديارا


مررت على المكان الذي كنا فيه بعد أن تم طرد كل من هو في تلك المنطقة .. والله لقد كانت مليئة بالناس و (الصنادق) و (شبوك الغنم) لاتطل من أعلى المرتفع الذي كان يعلو المنطقة الا وسمع أصوات الأغنام وصياح الرعاة على الابل وأذان ديك ونقنقة دجاجة وحنين (وايت) يملأ الخزانات المتفرقة .. وإن رفعت بصرك فستجد الحمام يحلق وكأن السماء راضية والارض زاهية بهذه المخلوقات التي تجمعت في هذه البقعة لتحيي سنة من سنن الله في الكون ولتشبح الله جميعها .. ولا يملك المؤمن أمام هذا المنظر إلا أن يقول بصوت مرتفع لا إله إلا الله لا تكاد تمر على صاحب شبك من هذه الشبوك الا وتجده يهلل ويملأ رئتيه من عبق الطبيعة ..

كم تجمعنا وكم قضينا ليالي سمر نتجاذب فيها أطراف الحديث وكم شربنا من حليب الابل والاغنام كم تعاونا لطرد بعض الكلاب التي تأتي لتأخذ حصتها من الدجاج أو الشياه الميتة التي يتم ابعادها من جرف الشعيب لتتدحرج الى ان تصل مكانا بعيد تأتيها الكلاب فتلتهما ولا يأتي الصباح إلا وهي مجرد عظام .. ولكنها أحيانا لاتجد جيفا تأكلها فتعود إلى الشبوك لتقتنص دجاجة أو شيئا من البهم .. فنتعاون حينها بطرق مختلفة نشعر فيها بنوع من المرح والمباغتات لتلك الكلاب وكأنا نلعب سويا حين ترانا فتسرع هاربة ونحن قد كمنا لها فنقذفها بالحجار لتغيب عنا تلك الليلة وتعود الليلة المقبلة لنلعب مرة أخرى .. كان ذلك يشكل نوعا من المرح مع بعضنا .. كنا نجتمع في الليالي البارة نتزاحم عند النار التي نوقدها للدفئ وابريق الحليب على النار حليب طازج من حليب العصر وابريق شاي آخر .. كنا أيضا نجتمع مع بعض الاقرباء في الخيمة القريبة من شبكنا والمطلة على الشعيب .. فنتسامر ونتناقش ونتجاذب اطراف الحديث إلى أن يغلبنا النوم وفي الصباح نسبح مع الطير قبل بزوغ الشمس ونخرج نتمطى عند باب الخيمة ونذكر الله وكأن الدنيا حيزت لنا وكأنا ملكنا كل شيء .. ما أجمل تلك اللحظات وتلك الايام وأولئك الاشخاص ..

وحين اتيتها

وقفت طويلا حتى كأني أحد الأعمدة التي لازالت واقفة هناك اتأمل كل لحظة مررت بها من هناك وكل شخص عرفته هناك وكل يوم مكثته هناك وكل نفس استنشقته هناك وكل صوت سمعته هناك وكل إحساس شعرت به هناك وكل طير رأيته هناك وكل كبش أو ضأن رأيته هناك وكل ناقة رأيتها هناك حتى وكل كلب رأيته هناك أو طرته من هناك والله حتى دجاجة رأيتها هناك او ديك رأيته هناك جلست أنظر إلى السماء كم أمطرت علي وأنا هناك كم سال ذلك الشعيب وانا أنظر إليه كم مرة جلس والدي يحتسي الشاي ويرسل النظر إلى الأفق الأبعد كم مرة شرب الحليب هناك كم مرة ذبحت فيها كبشا أو ضأنا هناك كم مرة جلست على الأرض عند أقدام عنز أو شاه وكأني على عرش بلقيس لست على الرمل .. كل هذه الذكريات تواردت في ذهني كالشريط المتسارع في أحداثه .. حينها تذكرت إخواننا المسلمين في فلسطين والله لقد قارنت وضعي بوضعهم قبل أن افارق تلك المنطقة .. كم بيت بناه يمر ويذكر بستان والده كم مرة ذهب معه اليه ويذكر المكان الذي كانت امه تلقاه فيه إذا عاد من المدرسة ولكن .. قتلت أمه وسلبت أرضه وقتل أبوه وهو الآن ينظر إلى مكان البيت الذي كانت امه تكنس عند بابه وتزرع الريحان على جوانبه ويمعن النظر في تلك النافذة التي كان يطل منها على أصحابه وأبناء حيه إن الصهيوني الآن يطل منها ليراه واقفا متأملا ثم يستدير وقد سكن داره وقتل أحبابه الذين كان يتجاذب معهم أطراف الحديث .. لقد تحسرت أنا على المكان والزمان والذكريات ولكن ليس كتحسر هذه الوالدة :

ولم أصل إلى هذه الدرجة :


حينها هان ألمي .. بكيت وضحكت


بكيت ألما على ما يصب أخواني في فلسطين وضحكت على تفاهة ما آلمني


أسأل الله أن ينصر الإسلام والمسلمين

وهذه أبيات وجدتها وأنقلها


عدد الزيارات :7950

التعليقات

  1. تركي

    تذكرني بابيات احبها للامير الشاعر خالد الفيصل
    في نفس المكان وفي غير الزمان مرتني الذكرى وانا واقف في نفس المكان
    في ذا ضحكت ايام لكني بكيت وفي ذا حلمت احلام لكني صحيت

  2. اسامة آل حمران

    ايه والله متى يجي اليوم الي تتحرر فيه فلسطين من ايدي اكفار
    اللهم ارنا عجائب الدنيا في اسرائيل وكل اعداء المسلمين
    اللهم فك اسر فلسطين

  3. عروب اليوسف

    هذه الدنيا فانيه…والبقاء للآخره”والآخرة خيرا وأبقى”
    وكما ذكرت هي ذكريات مرت بحلوها ومرها ولكن حينما نتذكرها نستمتع بها وبلحظاتها..
    فالذكرى للانسان عمرا ثاني.

    ليه كلٍّ ماتذكّر ذكرياته
    …………يشعر إنها أحلى أيام بحياته !
    بس يتنهـّد وهو يحكي .. ويذكر
    ……….حلوها مع مرّها وشلون جاته
    يتذكّر بعض الأشياء.. ويتبسّم
    ……..من يصدّق إنها من ذكرياته ؟
    هالمواقف بعضها كانت كبيره
    …….بعضها خلاّه يتمنّى مماته !
    وبعضها للحين لاتذكّره يضحك !
    ……..كيف “ذاك الشي” / “ذاك اليوم” فاته !
    وبعضها للحين لاتذكّره يسرح
    ……..ويتسائل .. وين راحت أمنياته ؟!
    آه ياذا العمر .. ياسرعك علينا
    …….وااجد اللي مايحسّون بـ فواته
    وآه يالإنسان وشلون يتغيّـر
    …….كل شيٍّ فيه .. حتى ( تضحياته ) … !
    يتغيـّر غصب عنّه , بسّ يبقى
    ………..طينه يأثر على طيبة نباته ..
    وان بغيت تعرف -اي انسان- وش هو؟
    ………….طالعه لاقام يسرد
    ذكرياته ..!

    جميل ان نسطر الذكريات ونبتسم….
    ومؤلم أن نشاهد هذه الصوره…دون ان نذرف دمعة ألم من مقلتينا..
    اسأل الله الحي القيوم أن يعوض كل فلسطيني
    ذاق المر والويلات من العدو الغاشم..بجنة عرضها السموات والارض.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *